الشنقيطي
447
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه ، فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافا مع أنها لا اختلاف بينها ، لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد ، وهو معرفة اللّه وطاعته ومعرفة وعده ووعيده ، فقوله : لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الطلاق : 12 ] وقوله : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] راجع إلى شيء واحد هو العلم باللّه ، لأن من عرف اللّه أطاعه ووحده . وهذا العلم يعلمهم اللّه إياه ويرسل لهم الرسل بمقتضاه ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيي من حيي عن بينة ، فالتكليف بعد العلم ، والجزاء بعد التكليف ، فظهر بهذا اتفاق الآيات لأن الجزاء لا بد له من تكليف ، وهو الابتلاء المذكور في الآيات والتكليف لا بد له من علم ، ولذا دل بعض الآيات على أن حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق ، ودل بعضها على أنها الابتلاء ، ودل بعضها على أنها الجزاء ، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه ، وبعضه مرتب على بعض . وقد بينا معنى إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة هود في الكلام على قوله تعالى : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] وبينا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم ، وفي قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] إرادة كونية قدرية ، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ، إرادة دينية شرعية . وبينا هناك أيضا الأحاديث الدالة على أن اللّه خلق الخلق منقسما إلى شقي وسعيد ، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم . وقال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] : وقال : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) [ الشورى : 7 ] . والحاصل : أن اللّه دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده وأمرهم بذلك ، وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية ، ثم إن اللّه جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية ، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة ، وبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] . وقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ هود : 119 ] ، وبين قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] ، وإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية ، وهي ملازمة للأمر والرضا ، وقد تكون كونية قدرية وليست ملازمة لهما ، لأن اللّه يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا ، ويريد ذلك كونا وقدرا من بعضهم دون بعض ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] ، فقوله : إلا ليطاع : أي فيما جاء به من عندنا ، لأنه مطلوب مراد من المكلفين شرعا ودينا ، وقوله : بإذن اللّه :